أكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري خلال إشرافها على افتتاح المنتدى الاقتصادي التونسي الإيطالي المنعقد بتونس اليوم الأربعاء، أن هذا المنتدى يكتسي أهميّة خاصة وأنه يتزامن مع احتفال تونس وإيطاليا بمرور سبعة عقود على تأسيس العلاقات الديبلوماسية بينهما، وهو ما يعد فرصة لاستعراض هذا التعاون العريق والتضامن وتجديد الالتزام بشراكة استراتيجية قادرة على تلبية تطلّعات الشعبين الصديقين ومواجهة مختلف التحدّيات.
كما أشارت إلى أن هذا المنتدى يُشّكل منصّة بالغة الأهميّة لتعزيز الشراكة بين البلدين وتطويرها والارتقاء بها إلى أعلى المستويات وذلك عَبْرَ دفع الاستثمار وتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي والتجاري وخلق بيئة مُحَفِزّة لتوثيق الرّوابط بين أصحاب المؤسسات والمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين في كِلا البلدين.
ونوّهت رئيسة الحكومة بأن هذا المنتدى ينعقد تزامنا مع استكمال تونس إعداد مخطّط التنمية للفترة (2026-2030) والذي يمثّل محطّة وطنيّة مفصليّة، تؤسس لمرحلة جديدة، تضع الأولويات الوطنية في صميم أهدافها بما يضمن تحقيق التنمية الشاملة العادلة والمتوازنة والعدالة الاجتماعية وفق رؤية سيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد بِمَا يستجيب لتطلّعات التونسيين والتونسيات، مضيفة أن هذا المخطط تم إعداده ولأوّل مرّة في تونس وفق مقاربة تشاركية تصاعدية تنطلق من المستوى المحلّي مُرورا بالجهوي والإقليمي وُصُولا إلى الوطني لإرساء منوال تنموي جديد عادل، يَبْنِي اقتصاد قوّيًا، مَرِنًا وصَامِدًا، قادرا على مواجهة التحوّلات الجيوسياسية والمتغيّرات التي يشهدها العالم.
واستعرضت رئيسة الحكومة أبرز ما تحقق خلال السنوات الأخيرة من خُطُوات ملموسة لتعزيز الحركيّة المتجدّدة للعلاقات الاقتصادية التونسية-الإيطالية، إِذْ تَشهد الشراكة الثنائية ديناميكية ملحوظة وتُعدّ إيطاليا من أبرز الشركاء الاقتصاديين لتونس. وتتجلّى هذه المكانة الاستراتيجية في تصدّر إيطاليا لقائمة الدول المستثمرة في تونس في قطاع الطاقة وتصدرها المرتبة الثالثة كأكبر شريك من حيث الاستثمارات الأجنبية المباشرة وارتفاع نسق حجم المبادلات التجارية التي بلغت حوالي 20.5 مليار دينار خلال سنة 2025 مع نسق تصاعدي مسجلا نموا بـ 8 بالمائة خلال الأشهر الأربعة الأولى لسنة 2026 مقارنة بالفترة ذاتها من السنة السابقة، إضافة إلى دور إيطاليا المحوري كأحد أهَم الأسواق المصدرة للسياح الوافدين على تونس حيث استقبلت تونس أكثر من 160 ألف سائح إيطالي خلال سنة 2025، وخلصت إلى أن هذه الأرقام تُترجم مستوى الثقة العالية التي يوليها المستثمرون الإيطاليون لمناخ الاستثمار في تونس وتُبرز الفرص الواعدة في القطاعات الحيويّة وهو ما تجسّد في الرفع الملحوظ لسقف التمويلات والمشاريع المشتركة.
كما أكدت في كلمتها على أهمية المشاريع الهيكلية الكُبرى بين البلدين والتي تعكس رؤية مستقبلية مشْتَرَكَة، مشيرة في هذا الصدد إلى مشروع الربط الكهربائي ELMED الذي تنفذه الشركة التونسيّة للكهرباء والغاز بالشراكة مع شركة TERNA الإيطالية، كَجِسر طاقي حيوي يربط بين ضفّتي المتوسّط ويُعدّ أول رَبط كهربائي مباشر بين شمال إفريقيا وأوروبا. وسيسهم هذا المشروع، بشكل مُباشر، في دعم الأمن الطاقي ودفع الاستثمار في الطاقات المتجدّدة مِمَّا يرسخ مكانة البلدين كشريكين فاعِليَيْن في مسار الانتقال الطاقي والتنمية الشاملة، كما ذكّرت في ذات السياق بالأهميّة الاستراتيجية لمشروع TANIT في قطاعي الفلاحة والمياه الذي يندرج ضمن « خطة ماتّي من أجل أفريقيا » والذي يعّد نموذجا متقدّما للتعاون التنموي بين البلدين ويعكس الإرادة المشتركة في تحقيق تنمية شاملة تضمن المنفعة المتبادلة وتنسجم تماما مع أولويات وأهداف مخطط التنمية الوطني وفقا لرؤية سيادة رئيس الجمهورية.
وعبرت رئيسة الحكومة عن تطلّعها إلى أن يشكّل هذا المنتدى الاقتصادي منصّةً مثالية وجسرا لاستكشاف آفاق استثمارية جديدة في قطاعات واعدة تتصدّرها الطّاقات المتجدّدة وصناعة مكوّنات السيّارات وتكنولوجيّات المعلومات والاتصالات، وهي مجالات تُتيح فرصا رحبة لِبناء شراكات استراتيجية رائدة ترتكز على تبادل المعرفة واستثمار الكفاءات المشتركة.
كما ستمكّن الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتجديد في أفق 2035 من إرساء آليّات متطوّرة لحوكمة المنظومات الصّناعيّة عبر تفعيل المواثيق التّنافسيّة لأبرز الأنشطة وتطوير البنية التحتيّة والابتكار من خلال تحديث المراكز الفنّيّة وتعزيز دور الأقطاب التّكنولوجيّة والصّناعيّة ومنظومة الشركات النّاشئة. وستسهم في ملائمة منظومات الاعتماد وسلامة المنتجات مع المعايير الدّوليّة، فضلا عن تنفيذ الاستراتيجيّة الوطنيّة المتكاملة للبحث والتّطوير.
وتشمل هذه الرؤية بلورة استراتيجية وطنية للنهوض بنسيج المؤسسات الصّناعية الصّغرى والمتوسّطة وذلك عَبْرَ توفير حوافز داعمة للتّجديد التّكنولوجي وتعزيز الاندماج الاقتصادي وتطوير العناقيد الصّناعيّة. وتهدف هذه الإجراءات مُجْتَمِعَة إلى تيسير اندماج المؤسسات التّونسيّة في سلاسل القيمة العالمية، والارتقاء بجودة منتجاتها ودعم قدرتها التّنافسيّة. وتهدف أولويّاتنا الاستراتيجية إلى الارتقاء بتنافسية تونس في الأسواق الدولية وذلك عَبْرَ دفع وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة العالية على غرار الصناعات الميكانيكيّة والكهربائيّة، وإنتاج مكوّنات السّيّارات، وصناعة مكوّنات الطّائرات، والصّناعات الصّيدليّة، والنّسيج الفنّي، والصّناعات الغذائيّة، والصّناعات الكيميائيّة، وتكنولوجيّات البيئة، والاقتصاد الأزرق، والصّناعات المرتبطة بالانتقال الطّاقي، والخدمات الرّقميّة.
وأضافت أن المنتدى يمكن أن يمثل محطة رئيسيّة لتعزيز الحوار بين المؤسسات التّونسية والإيطاليّة، ودعم الشراكات الصّناعيّة القائمة على الإنتاج المشترك والتّجديد والابتكار، بما يتيح النّفاذ إلى أسواق جديدة ويعزز القدرة التّنافسيّة المشتركة.
من جانب آخر، نوهت رئيسة الحكومة إلى أهميّة تنويع محفظة الاستثمارات الإيطاليّة في تونس لتشمل قطاعات فلاحية واعدة مثل إنتاج الباكورات وتربية الماشية، والأعلاف، والإنتاج الفلاحي المستدام، فضلا عن الصّناعات الغذائيّة المُعْتَمِدة على التّكنولوجيا الحديثة لِتلبية تزايد الإقبال العالمي على المُنتَجات الفلاحيّة والغذائيّة التّونسية. كما أكّدت أنّ مجالات الاقتصاد الرّقمي وخدمات التّكنولوجيا الحديثة تُوفّر فرصا واعدة لإطلاق مشاريع إقليميّة رائدة تشمل مراكز البيانات، والأمن السّيبراني، والتّطبيقات المعلوماتيّة والذّكاء الاصطناعي الموجّه للمؤسسات. وتُتِيح هذه المشاريع تكوين الكفاءات في المهن الرّقمية الحديثة استنادًا إلى مَا تزخر به تونس من خبرات وطنيّة ذات مهارات عالية وقُدُرات، مشهود لها عالميا، بالابتكار والإبداع.
وشدّدت رئيسة الحكومة على أن تونس تبني تعاونها الاستراتيجي على قاعدة المصالح المشتركة، مُستثمرة مع الاتحاد الأوروبي آليات الشراكة الأورومتوسّطية واتفاقيات الجوار لِتسريع نسق التنمية الاقتصادية وتطوير مناخ الاستثمار، معربة في هذا الخصوص عن التطلع إلى الارتقاء بالعلاقة التونسيّة-الأوروبيّة نحو آفاق أرحب ترتكز على التّنمية المشتركة، والاستثمار المنتج، ونقل التّكنولوجيا، والاندماج الصّناعي. مؤكدة في ذات الخصوص أَنَّ تونس لَمْ تَعُد مجرّد سوق استهلاكية أو نقطة عبور، بل أَضْحَت فاعلا رئيسيا في سلاسل القيمة العالمية، وركيزة محورية للاستقرار في الحوض المتوسّطي وبوابة استراتيجية نحو الأسواق الواعدة، وفي مقدّمتها السوق الإفريقية.
واعتبرت أن الروابط التونسية-الإيطالية تعدّ نموذجا حيًّا لنهج تونس التي اختارت أن تظلّ دومًا أرضا للانفتاح والحوار، والعمل على تعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع محيطها العربي والإفريقي والفضاء الأوروبي خدمة للمصالح المشتركة، إِذْ تجمع البلدين علاقات تاريخية متجذرة وشراكة متعدّدة الأبعاد سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ترتقي بها إرادة سياسية مشتركة نحو آفاق مستقبلية واعدة، مشدّدة على أنّ تونس تَعْمَلُ على توسيع شراكاتها وتنويعها بناءا على خياراتها الوطنية والمصالح المُشْتَرَكَة بما يَضْمَنُ سيادتها الاقتصادية.
كما عبرت عن تطلّعها في أَنْ يسهم هذا المنتدى في مزيد تعزيز مكانة تونس، كوجهة استثمارية جاذبة، بفضل موقعها الجيواستراتيجي المتميّز عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب بنيتها التحتية، وتنافسية عوامل الإنتاج. كما أَنَّ ما توفره تونس من رأس مال بشري عالي الكفاءة ومهارات معترف بها عالميا وخبرة متراكمة في المجالات التكنولوجية الحديثة، يعزّز قدرتها على الاستجابة لتطلّعات المستثمرين الإيطاليين واحتياجاتهم.
ودعت رئيسة الحكومة مُمثلّي المؤسسات ورجال الأعمال والمستثمرين الإيطاليين الحاضرين إلى حسن استثمار الفرص الواعدة التي تتيحها تونس من خلال المشاريع الهيكلية الكبرى، مِمَّا يعزّز التعاون التونسي الإيطالي والشراكة الاستراتيجية بين تونس وإيطاليا، خاصة في ظلّ التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تحتّم على البلدين مزيدًا من تنسيق الجهود وتوحيد الرّؤى.
كما أعربت في ختام كلمتها عن تطلعها إلى ترسيخ هذا المنتدى الاقتصادي كتقليد دوري، ومحطّة استشاريّة منتظمة توفّر لروّاد الأعمال والمستثمرين والفاعلين الاقتصاديين من البلدين إطارًا نموذجيّا للحوار وتبادل الخبرات واستكشاف آفاق جديدة ومبتكرة للشّراكة والاستثمار، معبّرة عن اليقين بأَنَّ ما سيثمر عن هذا المنتدى من نقاشات وتفاعلات، سيسهم في تعزيز المكتسبات المشتركة، ويفتح آفاقاً أَرْحَب للتّعاون، ويكرّس شراكة استراتيجية أكثر عمقاً وفاعليّة، بما يخدم تطلّعات الشعبين الصديقين.
