دعا محافظ البنك المركزي التونسي، فتحي زهير النوري، إلى إرساء آليات عربية مشتركة لحماية الاقتصادات من الصدمات، مؤكدًا ضرورة تطوير التعاون المالي والنقدي العربي ليواكب عالمًا تتسارع فيه الأزمات وتتداخل تداعياتها.
وفي كلمته أمام الاجتماع السنوي الخمسين لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، شدّد المحافظ على أن المكاسب التي تحققت خلال نحو نصف قرن من العمل العربي المشترك تمثل أساسًا مهمًا للبناء، لكنها تستدعي اليوم أدوات جديدة تتيح الاستعداد للأزمات قبل وقوعها، وتقاسم المخاطر، وتسريع الاستجابة الجماعية.
وأشار إلى أنّ الصدمات الجيوسياسية والطاقية والغذائية والمالية والمناخية والسيبرانية لم تعد تأتي منفردة، بل تتراكم وتتداخل، مستحضرًا عبارته: «ننام على الأزمات ونستيقظ على الصدمات».
وأوضح أن تفاوت القدرات المالية بين الدول العربية، بين دول تمتلك فوائض واحتياطيات وأصولًا كبيرة وأخرى تواجه ضغوطًا على مواردها وتوازناتها، يطرح تحديًا وفرصة في آن واحد. ودعا، في هذا السياق، إلى تحويل هذا التفاوت إلى مصدر قوة جماعية، من خلال آليات حماية متفق عليها مسبقًا.
وطرح المحافظ 5 مقترحات عملية قابلة للقياس والمتابعة، داعيًا إلى عرض حصيلة التقدم بشأنها خلال الاجتماع المقبل:
* إجراء اختبار عربي مشترك لتحمّل الصدمات، لقياس قدرة الاقتصادات على مواجهة اضطراب الممرات التجارية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصعوبة الحصول على التمويل الدولي.
* إرساء شبكة عربية لخطوط المبادلة وإعادة الشراء، لتوفير السيولة عند الحاجة، بالتنسيق مع صندوق النقد العربي ووفق شروط واضحة تُحدّد قبل وقوع الأزمات.
* إنشاء مرصد عربي مشترك للإنذار المبكر، يتابع مخاطر الطاقة والغذاء والشحن والتأمين وتدفقات رؤوس الأموال، ويتيح تبادل المعلومات بسرعة.
* توسيع الاستخدام التجاري الفعلي لمنظومة «بُنى» للمدفوعات العربية، عبر أهداف قابلة للقياس تعزّز توظيف البنية التحتية القائمة.
* وضع إطار عربي مشترك لحماية أنظمة الدفع وضمان استمراريتها، يتضمن تمرينًا إقليميًا سنويًا لاختبار الجاهزية في مواجهة المخاطر السيبرانية والتشغيلية.
وأكد أن نجاح هذه المقترحات يتطلب بناء هوامش الأمان خلال فترات الاستقرار وإعداد أدوات التدخل مسبقًا، مشددًا على أن «الأزمة لا تمنحنا وقتًا للتفكير؛ إنها تختبر ما فكّرنا فيه قبلها».
ودعا المحافظ إلى تطوير أدوار البنوك المركزية بما يعزّز قدرتها على حماية الاستقرار الاقتصادي والمالي في زمن الصدمات. وأوضح أنّ الاستقرار لم يعد يعني غياب الأزمات، بل القدرة على عبورها مع الحفاظ على التوازنات الأساسية واستمرارية الخدمات المصرفية وأنظمة الدفع.
وفي هذا الإطار، أبرز أهمية إدارة التوقعات، وتعزيز أمن الاحتياطيات وقابليتها للاستخدام عند الحاجة، وإعداد خطط مجرّبة لإدارة الأزمات، إلى جانب تطوير التواصل والتعاون الإقليمي. كما شدّد على ضرورة تعزيز قدرة المحافظين على استشراف المخاطر الجيوسياسية والطاقية والمناخية قبل انتقال آثارها إلى الأسعار والأسواق.
وأكد أن تطوير هذه الأدوار ينبغي أن يقترن بأدوات مناسبة ومسؤوليات واضحة تحفظ مصداقية البنوك المركزية، قائلًا: «المصداقية هي رأس مالنا الوحيد الذي لا يُستورد».
واختتم المحافظ بالدعوة إلى جعل الاجتماع الخمسين نقطة انطلاق لخطوات عملية تعزّز الحماية المشتركة، مؤكدًا ترابط مصالح الاقتصادات العربية رغم اختلاف أوضاعها: «لسنا في مركب واحد، لكنّ المرسى يبقى واحدًا».
وعلى هامش هذه الدورة، عقد محافظ البنك المركزي التونسي لقاءً مع فهد التركي، المدير العام ورئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي، جرى خلاله تبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون مع الصندوق.
كلمات البحث :التعاون المالي;الحماية المشتركة;محافظ البنك المركزي
نعلم قراءنا الأعزاء أنه لا يتم إدراج سوى التعليقات البناءة والتي لا تتنافى مع الأخلاق الحميدة
و نشكر لكم تفهمكم.







